الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
351
نفحات الولاية
ترجيح المرجوح على الراجح ، والحال ، قبح هذا الأمر واضح للجميع ، إلّاأنّ التعصب الأعمى يحول عادةً دون رؤية الواقع . ثم قال عليه السلام : فإن تصدى مثل هذا الفرد ، للأمر : « فِإِنْ شَغَبَ « 1 » شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ « 2 » ، فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ » . وقال القرآن بهذا الخصوص « وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ . . . » « 3 » . ثم خاض الإمام عليه السلام في الردّ على بعض المتخرصين ، حيث انبرى البعض كمعاوية وعمرو بن العاص وطلحة والزبير وأمثالهم وصرّحوا بأنّ الخلافة والإمامة لمن تنتخبه عامة الأُمّة . وعليه ، لا تكفي بيعة المدينة وأطرافها لعلي عليه السلام . فقال عليه السلام : « وَلَعَمْرِي ، لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لَاتَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ ، فَمَا إِلَى ذلِكَ سَبِيلٌ ، وَلكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا » . ثم واصل كلامه قائلًا : « ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ ، وَلَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ » . وأخيراً حذّرهم جميعاً بالقول : « أَلَا وَإِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ : رَجُلًا ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ ، وَآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ » . يبدو أنّ العبارة الأُولى تشير إلى معاوية الذي تخلف عن البيعة بذريعة المطالبة بدم عثمان ، والحال ، أن تتمّ المطالبة بدم عثمان من قبل أولياء الدم أو إمام المسلمين ، ومن بايعه الناس أي ، علي بن أبي طالب عليه السلام . والثانية إشارة إلى طلحة والزبير وأمثالهما الذين بايعوا ثم نكثوا البيعة بما فيهم معاوية والآخرون . وأمّا ما قيل : إنّ المراد ، ادّعاء الخلافة من قبل معاوية والذي ليس له حقّ ، فلا ينسجم مع التواريخ ، لأنّ معاوية لم يدع الخلافة على عهد أمير المؤمنين علي عليه السلام ، بل ركّز على المطالبة بدم عثمان .
--> ( 1 ) . « شغب » من مادة ( شغب ) على وزن شرق ، بمعنى إثارة الفتنة والشر والفساد ( 2 ) . « استعتب » من مادة ( عتب ) وعتاب بمعنى اللوم والتوبيخ بقصد الرجوع إلى الحق ، وإن استعملت في باب الاستفعال أفادت معنى الإسترضاء ( 3 ) . سورة الحجرات ، الآية 9